الشيخ محمد علي السايس
25
تفسير آيات الأحكام
الزوج فخذي موسى ، فاقطعي ثلاث شعرات من لحيته مما يقارب الحلق ، وألقى في روع الزوج أنّ هذه المرأة ستختانه بالقتل ، فلما قرّبت الموسى منه لم يشك أن الأمر على ما قال الرجل من أنها قصدت قتله ، فقام إليها وقتلها ، وكان ذلك تفريقا بين المرء وزوجه . فأنت ترى أنهم يرجعون السحر : إما إلى تمويه وخفة في اليد ، وإما إلى مواطأة وإما إلى سعي ونميمة . ولا يرون الساحر يقدر على شيء مما يثبته له الآخرون من التأثير في الأجسام الأخرى ، دون مماسّة . ومن قطع المسافات البعيدة في الزمن الوجيز . وقد قال أبو بكر الرازي : وحكمة كافية تبيّن لك أن هذا كله مخاريق وحيل لا حقيقة لما يدّعون لها . إنّ للساحر والمعزّم لو قدرا على ما يدّعيانه من النفع والضر من الوجوه التي يدّعون ، وأمكنهما الطيران ؛ والعلم بالغيوب ، وأخبار البلدان النائية ، والخبيئات والسرقة ؛ والإضرار بالناس من غير الوجوه التي ذكرنا ، لقدروا إلى إزالة الممالك ، واستخراج الكنوز ، والغلبة على البلدان بقتل الملوك ، بحيث لا يبدءوهم بمكروه . ولاستغنوا عن الطلب لما في أيدي الناس . فإذا لم يكن كذلك ، وكان المدّعون لذلك أسوأ الناس حالا ، وأظهرهم فقرا وإملاقا ، علمت أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك . ورؤساء الحشو والجهّال من العامة من أسرع الناس إلى تصديق السحرة والمعزّمين ، وأشدهم نكيرا على من جحدها ، ويروون في ذلك أخبارا مفتعلة متخرّصة يعتقدون صحتها . كالحديث الذي يروونه أن امرأة أتت عائشة فقالت : إني ساحرة فهل لي من توبة ؟ فقالت : وما سحرك ؟ قالت : سرت إلى الموضع الذي فيه هاروت وماروت ببابل لطلب علم السحر . فقالا لي : يا أمة اللّه ! لا تختاري عذاب الآخرة بأمر الدنيا . فأبيت . فقالا لي : اذهبي فبولي على ذلك الرماد ، فذهبت لأبول عليه ، ففكرت في نفسي فقلت : لا فعلت ، وجئت إليهما وقلت : قد فعلت . فقالا : ما رأيت ؟ قلت لم أر شيئا ، فقالا : ما فعلت ، اذهبي فبولي عليه ، فذهبت وفعلت ، فرأيت كأنّ فارسا قد خرج من فرجي مقنّعا بالحديد حتى صعد إلى السماء ، فجئتهما فأخبرتهما فقالا : ذلك إيمانك قد خرج عنك ، وقد أحسنت السحر . فقالت : وما هو ؟ فقالا : لا تريدين شيئا فتصورينه في وهمك إلا كان ، فصورت في نفسي حبا من حنطة ، فإذا إنا بالحب ، فقلت له : انزرع ، فانزرع . فخرج من ساعته سنبلا . فقلت له : انطحن وانخبز ، إلى آخر الأمر ، حتى صار خبزا ، وإني كنت لا أصوّر في نفسي شيئا إلا كان ، فقالت لها عائشة : ليست لك توبة . ويروي القصّاص والمحدثون الجهال مثل هذا للعامة فتصدقه ، وتستعيده ، وتسأله أن يحدثها بحديث ساحرة ابن هبيرة . فيقول لها : إن ابن هبيرة أخذ ساحرة فأقرّت له بالسحر ، فدعا الفقهاء ، فسألهم عن حكمها . فقالوا : القتل ، فقال ابن